السيد محمد باقر الصدر
346
بحوث في علم الأصول
وحينئذ بغض النظر عن هذا البرهان ، نبقى مع الشق الأول والثاني . والأول معناه اقتضاء المحال ولو بإطلاقه ، لأنه إذا كان يقتضي البياض حتى في الأسود ، فمعناه أنه يقتضي تسويد الأبيض ، وهو محال ، فيتعيّن الشق الثاني ، ومفاده أن مانعيّة السواد للبياض تفترض مسبقا وجود كلا المقتضيين ، وهذا محال ، إذ لو وجدا ، لزم كون كل منهما مقتضيا للمحال ولو بإطلاقه ، فإذا لم يتم المقتضي ، فالعدم مستند إلى عدم المقتضي ، لا إلى المانعية . وبهذا يمكن تقريب برهان الميرزا ، وإن كان يحتاج إلى مناقشة أخرى . ولكن من دون مناقشة يمكن أن يقال : بأنّ تمامية كلا المقتضيين تؤدي إلى المحال ، إذن فلا بدّ من القول : بأن ما يقتضي البياض إنما يقتضيه مشروطا بعدم السواد ، وهو معنى مانعيّة المقتضي ، لا نفس الضد ، وحينئذ لا يكون مقتضيا للمحال . والصحيح هو أن يقال : إنّ فرض استحالة تمامية المقتضي لكلا الضدين من باب أن مقتضي المحال محال ، معناه : الاعتراف باستحالة اجتماع الضدين . وحينئذ ننقل الكلام إلى هذه الاستحالة ونسأل : هل إنّ هذه الاستحالة هي استحالة بالذات أم إنّها استحالة بالغير . بمعنى أن ماهية البياض تأبى عن وجود جمعي مع السواد أو إنّ الوجود الجمعي للسواد ، ممتنع بالغير باعتبار امتناع علته ، لأن أحد أجزاء علّته هو عدم ذاك ؟ فإن فرض أنها بالغير أي : من باب عدم تمامية علته كما ينبغي أن يقول الخصم ، فهذا الممتنع بالغير قد يكون له مقتض ليس بمحال ، لإمكان وجود مقتض لما هو محال بالغير من قبيل اجتماع المقتضي مع المانع كاجتماع النار مع الرطوبة ، فإنّ مقتضي الممتنع بالغير أمر معقول ، ولا تصدق عليه قاعدة « إنّ مقتضي المحال محال » لأن تلك القاعدة إنما تصدق في الممتنع بالذات ، وقد فرضنا أنّ هذا ممتنع بالغير .